أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

146

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدهما : أنه يعود على الجاعلين ، أي : جعلوا لهم شركاء ، مع أنه خلقهم وأوجدهم منفردا بذلك من غير مشارك له في خلقهم ، فكيف يشركون به غيره ، ممن لا تأثير له في خلقهم . والثاني : أنه يعود على « الْجِنَّ » أي : والحال أنه خلق الشركاء ، فكيف يجعلون مخلوقه شريكا له . وقرأ يحيى بن يعمر : « وخلقهم » بسكون اللام . قال الشيخ « 1 » : « وكذا في مصحف عبد اللّه » . قلت : وفيه نظر ، من حيث إنّ الشكل الاصطلاحي ، أعني : ما يدل على الحركات الثلاث ، وما يدل على السكون كالجزم ، كانت مصاحف السلف منها مجردة ، وأضبط الموجود بين أيدينا اليوم أمر حادث . يقال : إنّ أول من أحدثه يحيى بن يعمر ، فكيف ينسب لمصحف عبد اللّه بن مسعود . وفي هذه القراءة تأويلان ، أحدهما ، أن يكون « خلّقهم » مصدرا بمعنى : اختلاقهم . قال الزمخشري : أي : اختلاقهم للإفك ، يعني : وجعلوا للّه خلقهم ، حيث نسبوا قبائحهم إلى اللّه ، في قولهم : « وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها » انتهى . « فيكون للّه » هو المفعول الثاني قدم على الأول ، والتأويل الثاني : أن يكون « خَلَقَهُمْ » مصدرا بمعنى : مخلوقهم ، فيكون عطفا على « الْجِنَّ » ، ومفعوله الثاني محذوف تقديره : وجعلوا مخلوقهم وهو ما ينحتون من الأصنام - كقوله تعالى : أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ - شركاء اللّه تعالى . قوله : وَخَرَقُوا قرأ الجمهور « خَرَقُوا بتخفيف الراء . ونافع بتشديدها ، وقرأ ابن عباس بالحاء المهملة والفاء وتخفيف الراء . وابن عمر كذلك أيضا ، إلّا أنه شدّد الراء . والتخفيف في قراءة الجماعة بمعنى الاختلاق . قال الفراء : يقال : خلق الإفك وخرقه واختلقه ، وافتراه وافتعله وخرصه بمعنى : كذب فيه . « والتشديد للتكثير ، لأن القائلين بذلك خلق كثير ، وجم غفير . وقيل : هما لغتان بمعنى واحد ، والتخفيف هو الأصل . وقال الزمخشري : « ويجوز أن يكون من خرق الثوب إذا شقه ، أي : اشتقوا له بنين وبنات . وأما قراءة الحاء المهملة فمعناها التزوير ، أي : زوّروا له أولادا ، لأن المزوّر محرّف ومغيّر الحق إلى الباطل . وقوله : بِغَيْرِ عِلْمٍ فيه وجهان ، أحدهما : أنه نعت لمصدر محذوف ، أي : خرقوا له خرقا بغير علم ، قاله أبو البقاء ، وهو ضعيف المعنى . والثاني - وهو الأحسن - : أن يكون منصوبا على الحال من فاعل « خَرَقُوا » أي : افتعلوا الكذب مصاحبين للجهل ، وهو عدم العلم . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 101 إلى 103 ] بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 101 ) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( 102 ) لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 103 ) قوله : بَدِيعُ . قرأ الجمهور برفع العين ، وفيها ثلاثة أوجه : أظهرها : أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو بديع ، فيكون الوقف على قوله : « وَالْأَرْضِ » فهي جملة مستقلة بنفسها .

--> ( 1 ) انظر البحر ( 4 / 194 ) .